الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

376

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

نصفها وأنت خبير بما فيه وإن كان جائزا لكنه بعيد عن المقام جدا والاستخدام نادر في الاستعمالات غير متداول في المخاطبات سيما في أمثال هذه المقامات وأورد على الثالث أيضا بوجوه منها ما مر من مخالفته لإجماع أهل اللغة من كون أداة الاستثناء للإخراج ومنها القطع بأن في الكلام المذكور إثباتا ونفيا وعلى الوجه المذكور وليس الحال على ما ذكر إذ ليس مفاده إلا إثبات الباقي أو يفيد ابتداء ومنها العلم بخروجه عن قانون اللغة إذ ليس في اللغة لفظ مركب من ألفاظ ثلاثة يعرف الجزء الأول منه وهو غير مضاف ومنها أنه يلزم إرجاع الضمير إلى بعض الكلمة في نحو قولك اشتريت الجارية إلا نصفها ويمكن دفع بعض المذكورات بنحو ما مرت الإشارة إليه ويندفع الجميع بما سيجيء من بيان مراده بالمقام إلا أنه يندرج حينئذ إلى المذهب المختار قوله وينقل للناس هنا مذاهب كثيرة منها أنه حقيقة إن خص بدليل متصل أو منفصل ومجاز إن خص لغيره ومنها أنه حقيقة إن خص باستثناء أو شرط دون الوصف ومنها أنه حقيقة إن خص بشرط أو صفة دون الاستثناء وغيره وحكي القول به عن القاضي عبد الجبار ومنها أنه حقيقة في تناوله مجاز في الاقتصار عليه وحكي عن الرازي كان متناولا حقيقة بالاتفاق أورد عليه تارة بالنقض مما إذا استعمل اللفظ الموضوع للكل في الجزء فإنه كان متناولا له حقيقة في ضمن الكل والتناول باق غاية الأمر عدم تناوله للباقي مع أنه لا كلام في مجازيته وتارة بالحل حسبما نشير إليه المصنف بأن تناوله للنافي إن كان على سبيل الحقيقة بملاحظة نفسه ثم ما ذكر في الاستدلال لكنه محل منع بل فاسد وأما إن كان تناوله له على سبيل الحقيقة في ضمن تناوله للجميع من جهة اندراجه في الجميع كما هو الواقع فلا معنى لدعوى بقاء ذلك التناول مع فرض عدم إرادة الجمع وأخرى منع كون تناوله للباقي في ضمن الكل على سبيل الحقيقة المصطلحة إذ اللفظ إنما يتصف بالحقيقة باعتبار تناوله للجميع دون الباقي وكون الباقي داخلا في المنع الحقيقي لا يستدعي كون اللفظ حقيقة فيه ويمكن أن يقال في المقام مقصود المستدل بتناول العام للباقي تناول المفهوم لجزئياته لا تناول الكل لأجزائه فإن مفاد كونه مستغرقا لما يصلح له كونه صالحا لكل واحد مما يستغرقه على سبيل الحقيقة فيكون إطلاقه على الجميع إطلاقا له على جميع مصاديقه الحقيقية فيصير محصل الاحتجاج أن صدقه على كل من الجزئيات المندرجة تحته إذا كان على سبيل الحقيقة حال إرادة العموم كان صدقه عليه كذلك أيضا عند إخراج الباقي فإن تناوله له على حاله إنما طرأ بعدم تناوله الغير ولا ربط لكون إطلاقه على الباقي على وجه الحقيقة بتناوله لغيره وعدمه وحينئذ فالنقض المذكور ساقط من أصله وكذا ما ذكر في الحل فإن دلالة العام على كل من جزئياته دلالة تامة لانطباق ذلك المفهوم عليه وكونه جزئيا من جزئياته حسبما مر بيانه في أول مباحث العموم وما يقال من أن دلالة العام على كل من جزئياته دلالة تامة إلا أنه لا يثبت بذلك كون إطلاقه على كل منها حال انفراده عن إرادة الباقي حقيقة فإن الموضوع له وإن كان كل فرد بدون قيد الانفراد والاجتماع لكن الوضع إنما يثبت في حال إرادة جميع الأفراد يعني وإن الكلي التفصيلي الأفرادي حسبما مر نظيره في بحث استعمال المشترك في معنييه فإرادته على غير الوجه المذكور خروج عن القدر الثابت من الوضع فلا يجوز التخطي إليه من غير قيام دليل عليه لما تقرر من كون الأوضاع توقيفية مدفوع بأن دلالة العام كل جزء من جزئياته إذا كان على سبيل المطابقة يلزم أن يكون استعماله في الثاني على وجه الحقيقة والقول بكون الوضع له حال الانضمام وإن لم يكن يفيد الانضمام غير مقيد ضرورة شمول الوضع إذن للصورتين فيكون حقيقة على الوجهين إذ المفروض عدم اعتبار القيد المذكور في الوضع فمدفوع في الحال المفروض مع عدم اعتباره في الوضع كما هو المفروض لا يفيد شيئا في المقام حسبما مر الكلام في نظائره مرادا وأيضا لو تم ما ذكر من البيان لم يجر معه الحكم بكون الاستعمال على وجه الحقيقة لا أن يثبت به كون الاستعمال على وجه المختار كما هو المدعى نعم لو قيل بكون الوضع بشرط الانضمام صح ما ذكر إلا أنه نص على خلافه على أن القول بكون الوضع لكل منها مستقلا لكن بشرط الانضمام غير ظاهر بل فاسد إذ ليس نفس اللفظ موضوعا لخصوص الجزئيات وإنما هو موضوع للمفهوم العام ويكون إطلاقه على الجهات إطلاقا له على مصاديق ما وضع بإزائه وشموله لجميع مصاديقه إنما يكون من انضمام أداة للعموم تدل عليه بالوضع كما في كل رجل وما من جهة الالتزام إذ من دلالة المقام فهناك دلالتان أحدهما نفس المعنى والآخر على شموله وعمومه لجميع ما يندرج فيه إلا أن هناك دلالة واحدة من جميع الآحاد حاصلة بوضع واحد كما يتراءى في بادي الرأي حسبما مر تفصيله القول فيه وحينئذ فالتجوز في المقام إنما يفيد الشمول إن كانت دلالته عليه بالوضع حسبما قررناه ومن ذلك يظهر ضعف الإيراد الآخر أيضا فإنه مبني على البيان المذكور حسبما قرره المورد حيث قال إن الخاص وإن لم يكن جزءا من العام ليكون دلالته عليه تضمنية نظرا إلى كون دلالة العام على كل من أفراده دلالة تامة بل يكون القدر الثابت وضعها لكل من الآحاد حال اجتماعها مع الباقي فيكون استعمالها في الباقي استعمالا في غير ما وضع له وكونه حقيقة في الباقي في الصورة الأولى لا يستدعي كونها حقيقة في الثانية وأنت بعد ما علمت ضعف الكلام المذكور لا يحتاج إلى تفصيل الكلام في الإيراد عليه ومن الغريب أنه قال بعد ذلك ومما ذكرنا يظهر أنه لا معنى للتمسك بالاستصحاب إذ لم يكن تناول العام للباقي في حال تناوله للجميع بعنوان الحقيقة حتى يستصحب بل لأنه كان تابعا للمدلول الحقيقي والجمع انتهى فإن كلامه الأول صريح في تعلق الوضع بكل من الأفراد حال انضمامه إلى الباقي وهذا الكلام منه صريح في كون مدلوله الحقيقي هو الجميع وأن كلا من الآحاد المندرجة فيه حال انضمام بعضها إلى البعض مدلول تبعي غير حقيقي ثم إنه قال بعد ذلك لو سلمنا كونه حقيقة فإنما يثبت ذلك في حال كونه في ضمن الجميع وقد تغير الموضوع وفيه أن دعوى تغيير الموضوع غير ظاهرة بعد تسليم كون الباقي موضوعا له حال الانضمام إذ لا تفاوت حينئذ بين الصّورتين سوى تبدل حال الانضمام بحال الانفراد ولا وجه للحكم بتغير الموضوع لمجرد ذلك فالمتجه حينئذ في الإيراد مع حجية الاستصحاب في المقام لدوران الأمر في مباحث الألفاظ مدار الظن وهو غير حاصل هنا مجرد الاستصحاب فلا بد أن يقتصر فيه على القدر الثابت أو هو قضية له في خصوص حال الانضمام دون غيره حسبما عرفت في نظائره نعم يتم ما ذكره لو قلنا بكون دلالة العام على